يرى الدكتور كامران يجانجي أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جيوسياسية جديدة تتراجع فيها هيمنة النفط والغاز تدريجيًا لصالح الكهرباء والتكنولوجيا والبنية التحتية الذكية. ويؤكد أن الدول القادرة على إنتاج الكهرباء وتخزينها وتصديرها لن تحقق مكاسب اقتصادية فقط، بل ستعزز أيضًا نفوذها السياسي والاستراتيجي داخل المنطقة وخارجها.


ويشير موقع كيريك باكوس إلى أن التحولات العالمية في قطاع الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، والتغيرات الاقتصادية الدولية، تدفع دول الشرق الأوسط إلى إعادة صياغة أدوات نفوذها التقليدية. ومع تزايد الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والشبكات الذكية، تسعى دول مثل السعودية والإمارات ومصر إلى بناء موقع متقدم في مرحلة ما بعد النفط.


من جيوسياسة النفط إلى جيوسياسة الكهرباء


اعتمدت دول الشرق الأوسط لعقود طويلة على صادرات النفط والغاز وممرات الطاقة الاستراتيجية لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي. إلا أن التحول نحو الطاقة النظيفة يفتح الباب أمام نموذج جديد من القوة يرتكز على شبكات الكهرباء العابرة للحدود وقدرات إنتاج الطاقة المتجددة.


وتكتسب مشروعات الربط الكهربائي بين دول الخليج، ومشروعات الربط بين مصر والسعودية، وخطط ربط شمال أفريقيا بأوروبا أهمية استراتيجية متزايدة. ولا تقتصر هذه المشروعات على تحقيق عوائد اقتصادية، بل تسهم في تشكيل بنية جديدة للقوة الإقليمية تقوم على الاعتماد المتبادل طويل الأمد.


ويؤكد الكاتب أن الكهرباء تختلف عن النفط في طبيعة تأثيرها السياسي، إذ تتطلب شبكات معقدة وتنسيقًا مستمرًا بين الدول، ما يمنح الدول المصدرة أو المشغلة لهذه الشبكات أدوات جديدة للتأثير وصناعة القرار الإقليمي.


الأمن السيبراني وتحديات البنية التحتية للطاقة


يفتح الاعتماد المتزايد على الكهرباء آفاقًا جديدة للتعاون، لكنه يخلق في الوقت نفسه مخاطر أمنية متنامية. فالهجمات السيبرانية على شبكات الكهرباء أو تعطيل أنظمة النقل والتوزيع قد يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للدول.


ولهذا السبب يتوقع الكاتب أن تتصاعد المنافسة في مجالات تخزين الطاقة والبطاريات والذكاء الاصطناعي المستخدم في إدارة الشبكات الكهربائية، إضافة إلى تقنيات الأمن السيبراني. وقد تصبح الحروب الإلكترونية الموجهة ضد البنية التحتية للطاقة ذات أهمية لا تقل عن الهجمات العسكرية التقليدية.


ويشير إلى أن الحكومات بدأت تدرك أن حماية شبكات الكهرباء لم تعد قضية فنية أو اقتصادية فقط، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الاستراتيجي للدول.


الطاقة النظيفة ومستقبل النفوذ الإقليمي


أظهرت أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا حاجة أوروبا الملحة إلى تنويع مصادر الطاقة. وفي هذا السياق تبرز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها مصدرًا واعدًا للكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية والمتجددة.


وتسارع مشروعات الربط الكهربائي بين شمال أفريقيا وأوروبا في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للطاقة، إذ تمنح دول المنطقة دورًا جديدًا يتجاوز تصدير النفط والغاز ليشمل تصدير الكهرباء والطاقة النظيفة.


ويطرح الكاتب سؤالًا محوريًا حول قدرة دول الشرق الأوسط على الانتقال من منطق التنافس الطاقوي إلى منطق التعاون الطاقوي. فشبكات الكهرباء المترابطة تحتاج إلى مستويات مرتفعة من الثقة والاستقرار والتنسيق السياسي، وهو ما قد يواجه عقبات ناجمة عن الخلافات السياسية والصراعات الإقليمية.


ومع ذلك، يرى أن التعاون في مجال الكهرباء قد يخلق مصالح مشتركة تقلل التوترات وتعزز الاعتماد المتبادل بين الدول، ما يفتح المجال أمام نموذج جديد للأمن الإقليمي قائم على المصالح الاقتصادية المشتركة.


ويخلص الكاتب إلى أن مفهوم القوة في الشرق الأوسط يشهد تحولًا عميقًا، حيث لم يعد النفوذ مرهونًا فقط بحجم احتياطيات النفط والغاز، بل بقدرة الدول على إدارة شبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية والأنظمة الذكية. وخلال العقود المقبلة قد تكتسب خطوط نقل الكهرباء أهمية استراتيجية تضاهي أهمية مضيق هرمز، بينما تبرز دبلوماسية الكهرباء كأحد أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.

 

https://kritikbakis.com/en/electricity-diplomacy-the-new-power-in-the-middle-east/